السيد الخوئي
371
غاية المأمول
توضيح ذلك أنّ كلام الشيخ الأنصاري قدّس سرّه « 1 » يحوم حول كون المبعوث نحوه والمزجور عنه في الشرع المقدّس يلزم أن يكون أمرا لولا البعث لما تحقّق ولولا الزجر لما تخلّف فهو نظير الأوامر من الموالى العرفيّة ، فمن يعلم بأنّ عبده يأتي بالماء قطعا أمره أم لم يأمره يقبح له تكليفه به ، ومن علم أنّ عبده لا يذهب إلى الكوفة أصلا يقبح له زجره عن الرواح ؛ لأنّهما في هذا الأمر عبث ، لحصول الغاية وإن لم يتحقّق بعث وزجر أصلا ، وحينئذ فلا فرق بين قبح توجّه التكليف في المقام وفي كلّ ما يكون البعث والزجر لا أثر لهما ، نظير تحريم أكل لحم الإنسان ونظير أكل لحم الولد مثلا فإنّهما متروكان بمقتضى الطبيعة ، فلا يكون البعث والزجر عمّا هو متحقّق الوجود أو العدم بمقتضى الطبيعة حسنا . والجواب عمّا ذكره قدّس سرّه أنّ الأوامر الشرعيّة لو كانت نظير الأوامر العرفيّة كان ما ذكره متّجها ، ولكن التكاليف الشرعيّة مختلفة عن التكاليف العرفيّة ؛ لأنّ التكاليف العرفيّة المقصود منها صرف الوجود في الخارج وصرف العدم كذلك وليست التكاليف الشرعيّة كذلك ؛ لأنّ العباديّات منها متوقّفة على إتيانها بداعي الأمر والقربة الموقوف على تحقّق الأمر في الخارج ؛ لأنّ الفعل بذاته كان لا بدّ من تحقّقه وأمر الشارع ليس إلّا البعث نحو تحقيقه متقرّبا به إلى المولى فالأمر ليس عبثا بل لا بدّ منه ؛ لأنّه لولاه لم يتحقّق المطلوب ؛ لأنّ صرف الوجود الّذي يتحقّق بحسب الطبيعة ليس مطلوبا وإنّما المطلوب هو الوجود المتقرّب به وهو إنّما بعث الأمر نحوه . وكذا الكلام في التوصّليات فإنّ ترك أكل لحم الإنسان مثلا وإن كان بنفسه منتركا إلّا أنّ هذا الترك ليس هو مطلوب المولى شرعا ، وإنّما مطلوب المولى أن يكون ثمّة ترك يكون زجر المولى ممّا له مدخليّة فيه ولو إمكانا ، لإمكان أن يتركه لزجر المولى عنه فيكون مرتقيا بذلك أرقى درجات الكمال ، فنفس الترك وإن كان
--> ( 1 ) انظر فرائد الأصول 2 : 234 - 238 .